الاتجاهات السياسية لدى الشباب السوري الكردي “دراسة ميدانية في مدينتي ماردين والقامشلي”

توطئة؛ الأكراد والسياسة في سورية

يشكل الأكراد حالة سياسية واجتماعية متمايزة منذ تأسيس الدولة السورية، وكان لذلك التمايز تعبيرات مبكرة تجسدت في تأسيس أول حزب قومي كردي في البلاد عام 1957، وهو “الحزب الديمقراطي الكردستاني”[1]، وصولًا إلى ما يعرف اليوم بالحركة السياسية الكردية التي تضم عشرات الأحزاب والحركات السياسية، وهي قد تختلف في برامجها لكنها متفقة على المطالبة بالحقوق القومية للشعب الكردي. ذلك التمايز ارتكز على حامل الوعي بالحقوق القومية التي حرموا منها، لكن القضية الكردية بقيت حبيسة أكرادها وأحزابها السرية وقلوب الناس البسيطين الطافحة بالظلم بتأثير التمييز والاضطهاد القومي الذي مورس بحقهم منذ مطلع ستينيات القرن الماضي الذي تضمن الحرمان من الحقوق السياسية والثقافية، وصولًا إلى محاولات التغيير الديموغرافي والتعريب، وتعززت تلك الممارسات أكثر في عقود حكم نظام الأسد الأب، ومن بعده الابن الذي خنق كل حراك سياسي كردي أو غير كردي في البلاد لمصلحة حكم الحزب الواحد.

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011 شارك الكرد، وبخاصة الشباب منهم، بزخم في الاحتجاجات والحراك السياسي ضد النظام الحاكم، ويمكننا اختصار المحطات الرئيسة في علاقة الكرد بالثورة في ثلاث، كان أولاها الانخراط الطاغي للحركة الشبابية الكردية بأشكالها التنظيمية المختلفة في مسرح الفعل السياسي، تلك الحركة التي نشأت في عقب اندلاع الثورة التي قادت الشارع المنتفض ضد النظام بالتوازي مع الحراك الثوري في باقي مناطق سورية، ومن أبرز تلك الحركات “اتحاد تنسيقيات الشباب الكرد، وحركة آفاهي، حركة الشباب الكرد”.

امتد هذا الحراك حتى أواخر عام 2012، حيث كانت نقطة تحول جديدة تجسدت في انحسار الحركة الشبابية شيئًا فشيئًا، فاتحة المجال لبروز تيارين سياسيين متنافسين هما “المجلس الوطني الكردي” الذي يضم ائتلاف من الأحزاب الكردية التقليدية المحافظة التي من أهمها “الحزب الديمقراطي الكردي”، حزب الوحدة “يكيتي”، و”حزب آزادي” وغيرها، و”حزب الاتحاد الديمقراطي” الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني الذي استعاد نشاطه بعد عام 2011 بعد أن كف النظام عن ملاحقة كوادره.

أما نقطة التحول الثالثة فكانت عام 2014، حين أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي إدارته الذاتية شمالي شرق سورية، وتوسع عسكريًا وأيديولوجيًا، وبدأ بملاحقة منافسيه، حتى لم يبق للقوى والأحزاب السياسية الأخرى خيارات إما التحالف مع هذا الحزب والعمل ضمن مشروعه أو الانكفاء عن الشأن العام.

في السنوات اللاحقات ازداد المشهد السياسي الكردي تعقدًا، مع تلقي “وحدات حماية الشعب الكردية” -الجناح العسكري للاتحاد الديمقراطي- الدعم من التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة، وتوسعت مناطق سيطرة الحزب لتشمل المناطق ذات الأغلبية العربية في جنوب محافظة الحسكة، ثم لاحقًا الرقة وأجزاء من دير الزور، تحت غطاء “قوات سورية الديمقراطية” ما أجج الخلاف الكردي العربي أكثر، ورفع من فرص نشوب صراع من هذا النوع، وفتح الباب أيضًا للتدخل العسكري التركي المباشر.

كان لاندلاع الثورة السورية وما رافقه من انخراط قطاعات واسعة من السوريين، “والكرد ضمنا”، في ساحة العمل السياسي، والاهتمام بالشأن العام أثر كبير في فتح الباب على مصراعيه للتفاعل الحر بين الحوادث السياسية وعملية تكون الاتجاهات السياسية لدى الشارع السوري عمومًا.

وللمرة الأولى كان الشباب الكردي يملك حرية اختيار موقفه أمام مشهد سياسي سوري كان من أبرز ملامحه انحسار القبضة الأمنية للسلطة أمام حراك شعبي تأجج في المدن السورية معظمها، مطالبًا بالتغيير السياسي. لكن لم يمض وقت طويل حتى بدأ المشهد يتعقد أكثر فأكثر خلال السنوات اللاحقات للثورة، بانجراف الحراك الشعبي إلى العمل المسلح تحت ضغط العنف الشديد الذي مارسه النظام السوري ضدهم، وما تلا ذلك من سيطرة الثوار على مساحات واسعة من سورية، وبروز المعارضة السورية التي دخلت في صراع مع القوى السياسية الكردية على أرضية الخلاف حول الحقوق الكردية في سورية الجديدة المنتظرة.

لاحقًا مع تدويل الملف السوري، وتصاعد التدخلات الإقليمية والدولية في البلاد سياسيًا وعسكريًا، بدا أن الشباب الكردي، كما الشباب السوري بعامة، قد فقد كل قدرة على التأثير في مصائره السياسية، لكن ربما لأمد ما.

[1]حسين جلبي، روج آفا خديعة الأسد الكبرى، ط1، (تركيا: دار ميسلون، 2017)، ص 20.

الاقتباسات

حسام السعد. (2018). الاتجاهات السياسية لدى الشباب السوري الكردي “دراسة ميدانية في مدينتي ماردين والقامشلي”. المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة. مسترجع من https://harmoon2.techbithub.com/p/9316/
حمل PDF

دعوة إلى الكتابة

“السويداء” في ملف العدد الثامن والعشرين من مجلة قلمون

صدر العدد الرابع والعشرون من “قلمون: المجلة السورية للعلوم الإنسانية”، وحمل ملفه الرئيس عنوان “النشاط العام والمعارض لسلطة البعث في سورية 1963-2010″، درست فيه تسعة بحوث متسلسلة تاريخيًا صورًا من النضال السلمي السوري ضد نظام البعث، وأشكالًا من النشاط العام والسياسي الممتد على أكثر من خمسين عامًا من تاريخ سورية.
وقد وضح رئيس التحرير يوسف سلامة في كلمة العدد أن “أبرز ما اتسمت به مقاومة السوريين لهذا النظام طابعها السلمي الشامل والدائم، إلا في حالات استثنائية قليلة، كما هو الحال بالنسبة إلى نشاط (الطليعة الإسلامية المقاتلة).
وغالبًا ما تمثل النشاط المعارض للنظام في المظاهر السلمية المألوفة في المجتمعات الديمقراطية من مثل: التظاهرات والإضرابات والاعتصامات وتأسيس الأحزاب السرية سلمية الطابع التي لم يجاوز نشاطها اجتماع الحلقات وتوزيع المنشورات. ولم يخرج نشاط النقابات العمالية والمهنية عن هذا التقليد أبدًا في الثمانينيات. وكذا الأمر بالنسبة إلى الجمعيات الإسلامية المدنية في التسعينيات، أو بالنسبة إلى رجال الأعمال الذين حاولوا دعم بعض الحراكات المدنية على امتداد تسعينيات القرن العشرين. أضف إلى ذلك أن النشاط الكردي المعارض ومثيله السرياني لم يُؤثر عنهما القيام بأي نشاط يتناقض والطب

المزيد