مؤتمر الحوار الوطني السوري.. بين التطلعات الوطنية والتحديات المستقبلية

بعد سقوط نظام الأسد، يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، كان أول كلام لرئيس غرفة العلميات آنذاك السيد أحمد الشرع عن “مؤتمر وطني”، في مقابلة لقناة بي بي سي، في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2024، حيث قال: إن “المؤتمر الوطني” هو المرحلة الثانية بعد استلام الحكومة، وفصّل في أنّه سيكون جامعًا لكل السوريين، وسيصوّت المجتمعون فيه على بعض المسائل المهمّة، مثل إلغاء الدستور وحلّ البرلمان وتشكيل مجلس استشاري ليملأ الفراغ الدستوري والبرلماني خلال الفترة الانتقالية، وذلك حتى تجهز البنية التحية لإجراء انتخابات، وهي المرحلة الثالثة، لكن جرى تغيير اسم المؤتمر في مقابلة أخرى مع قناة (العربية)، في 29 كانون الأول/ ديسمبر 2024، إلى “مؤتمر الحوار الوطني”، وأعلن أنه سيتم خلال المؤتمر الإعلان عن حلّ هيئة تحرير الشام، وحلّ الفصائل العسكرية، وحصر السلاح بيد الدولة.

وأعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في 8 كانون الثاني/ يناير 2025، عزم الحكومة السورية تأجيل عقد المؤتمر، حتى تشكيل لجنة تحضيرية موسعة من الأعضاء تمثّل المحافظات السورية وشرائح المجتمع السوري، وفي 29 كانون الثاني/ يناير 2025، اجتمع قادة عدد من فصائل المعارضة السورية، وخاصة الفصائل المشاركة في غرفتي العمليات، وأعلنوا بيان النصر، الذي نصّ على تولي أحمد الشرع رئاسة سورية في المرحلة الانتقالية، وقيامه بمهام رئاسة الجمهورية، وحل الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة.

وفي 12 شباط/ فبراير 2025، أصدر الرئيس أحمد الشرع، قرارًا يقضي بتشكيل لجنة تحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني، ونصّ على تكليف 7 أشخاص بعضوية اللجنة، وهم: (حسن الدغيم، ماهر علوش، محمد مستت، مصطفى الموسى، يوسف الهجر، هند قبوات، هدى أتاسي). وقد وُجهت انتقادات كثيرة إلى تشكيل اللجنة، لجهة ضعف تمثيلها إذ غلب عليها اللون الواحد.

  • الجلسات التحضيرية

بعد خمسة أيام من تشكيلها، باشرت اللجنة عقد جلساتها، وفقًا للجدول الزمني التالي:

التاريخالمحافظةملاحظات
17 شباط/ فبرايرطرطوس، اللاذقية، حمصاللاذقية وطرطوس: تركزت الجلسات بهما حول البناء الدستوري والعدالة الانتقالية، وحضرها نحو 400 شخص.  حمص: كانت الدعوات خاصة، واستمرت الجلسة 4 ساعات، ولم يكن هناك إعلان مسبق عن انعقادها، وتخلف عن حضور الجلسة هند قبوات، وحضرها نحو 250 شخصًا، وأضيفت بعض البنود للنقاش في أثناء عقد الجلسة وليس قبلها، ما يدلّ على ضعف التحضير.
18 شباط/ فبرايرحماة، ادلبحماة: جرى النقاش بها حول السلم الأهلي وإصلاح وبناء مؤسسات الدولة وحفظ الحريات والحقوق العامة، والحالة الاقتصادية ودور منظمات المجتمع المدني. إدلب: حضرها عدد من الأطباء والمهندسين، وممثلين عن مختلف مكونات محافظة إدلب، وغاب عنها من اللجنة حسن الدغيم.
19 شباط/ فبرايردرعا، السويداءالسويداء: عقدت في صالة مجلس مدينة السويداء، وشارك فيها فعاليات مجتمعية ودينية، وعدد من الوجهاء والحقوقيين والناشطين. درعا: في المركز الثقافي في مدينة درعا، ضمت عددًا من أعيان ووجهاء المحافظة وإعلاميين وخبراء.
20 شباط/ فبرايردمشق، ريف دمشق، الحسكة، الرقةدمشق: عقدت في فندق الشام، والدعوات كانت مميزة عن غيرها من دعوات المحافظة الأخرى، حيث وصف المدعوون بنخبة المجتمع الدمشقي، وليس بأبناء دمشق. وشهدت غياب ممثلين عن الأحزاب السياسية وشخصيات معارضة ورجال دين دمشقيين. ريف دمشق: عقدت في العاصمة، ولم تعقد في مناطق ريف دمشق. الرقة: عقدت في دمشق، وغاب عنها من اللجنة كل من هند قبوات وهدى الأتاسي، وغلب عليها ممثلين للعشائر. الحسكة: عقدت في دمشق، وغاب ممثلو بعض الأحزاب الكردية عنها، وغاب عنها من اللجنة كلٌّ من هند قبوات وهدى الأتاسي.
21 شباط/ فبرايردير الزورحضرها نحو 300 من أبناء المحافظة، وغلب عليهم ممثلو العشائر.
22 شباط/ فبرايرحلب، القنيطرةحلب: كان هناك بعض المشاحنات، حيث شملت الجلسة مدينة وريفها معًا، وتبادل بعض الحاضرين اتهامات بسبب وجود أشخاص كانوا محسوبين على النظام السابق، وحضر الجلسة من اللجنة التحضيرية ماهر علوش، مصطفى الموسى، يوسف الهجر، ومحمد مستت. القنيطرة: عقدت في المركز الثقافي في مدينة السلام.

أكّدت اللجنة في نهاية الجلسات أن التحضيرات شملت مشاورات مع نحو 4 آلاف شخص، لكن الملاحظة العامة أن عملية التحضير والجلسات اتسمت بالاستعجال، ولم يُتح للمشاركين الوقت الكافي للتعبير عن رؤاهم ومطالبهم دون تقييد، وبعد ذلك، أُعلن موعد عقد المؤتمر فجأة.

  • انعقاد المؤتمر وأبرز مجرياته:

عُقد المؤتمر بدمشق، يوم 25 شباط/ فبراير 2025، بحضور نحو 565 مدعوًا، وبلغت نسبة الحضور 97% من المدعوين كما أعلنت اللجنة، وقد سبق ذلك لقاء تعارف بين الأعضاء، مساء يوم الاثنين 24 كانون الثاني/ يناير 2025، دون عقد أي جلسات، وشهد اليوم الثاني انطلاق الجلسات الرسميّة في قصر الشعب، وافتُتح المؤتمر بجلسة رسمية شارك فيها الرئيس أحمد الشرع، حيث وجّه رسالة واضحة إلى جميع الفصائل المسلحة بضرورة الانضواء ضمن جيش وطني موحّد، كما أكد على وحدة سورية أرضًا وشعبًا، مشددًا بقوله: “سورية لا تقبل القسمة… قوتها في وحدتها…وحدة السلاح واحتكاره بيد الدولة ليس رفاهية، بل هو واجب وفرض… إن نظام الحكم لأي بلد يتّفق اتفاقًا وثيقًا مع المرحلة التاريخية السابقة لإقراره والثقافة العميقة والأصيلة لأهل البلد، فلا ينبغي استيراد أنظمة لا تتلاءم وحال البلد… يجب الابتعاد عن تحويل المجتمعات إلى حقوق تجارب لتنفيذ أحلام سياسية لا تناسب … سنعمل على تشكيل هيئة للعدالة الانتقالية … فكما قبلتم منا هذا النصر فأرجو متكرمين أن تقبلوا منا طرائقه”.

كان هدف المؤتمر جمع مختلف المكونات السورية، لصياغة رؤية مشتركة لمستقبل البلاد، ووضع أسس لمرحلة انتقالية وخارطة طريق للمستقبل، وأن يكون خطوة أولى نحو تفعيل حوار سوري-سوري شامل، ومنبرًا لتعزيز التفاهم والثقة بين الأطراف المختلفة.

توزّع الحضور على 6 ورش عمل، عُقدت في قاعات قصر الشعب، وفقًا لاختصاصاتهم أو اختياراتهم، وشملت المحاور الآتية: منظمات المجتمع المدني، العدالة الانتقالية، إصلاح وبناء المؤسسات، الحريات الشخصية والحياة السياسية والحريات العامة، مبادئ الاقتصاد، والبناء الدستوري، وفي نهاية اليوم، عُقدت الجلسة الختامية لقراءة البيان الختامي.

وضمّ المؤتمر شخصيات متنوعة من المعارضة، وممثلين عن المجتمع المدني، ووجهاء محليين، إضافة إلى شخصيات كانت محسوبة على المعارضة المسلحة وانخرطت مؤخرًا في العملية السياسية. في المقابل، غابت بعض الشخصيات والجهات، إما بسبب تأخر إرسال الدعوات أو رفض بعضهم للمشاركة، وتميز المؤتمر بطابعه السوري الخالص، إذ لم يشارك فيه ممثلون رسميون عن دول أجنبية أو منظمات دولية بصفة متحدثين أو مشاركين.

  • البيان الختامي:

تضمّن البيان الختامي للمؤتمر عدة نقاط محورية، حيث أكّد على وحدة سورية ورفض أي سيناريوهات للتقسيم أو إنشاء كيانات منفصلة، كما أدان الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية، وشدد على ضرورة معالجة الفراغ الدستوري، والبدء بعملية دستورية من خلال التأكيد على الإسراع بإصدار إعلان دستوري مؤقت لتنظيم شؤون الحكم خلال المرحلة الانتقالية، إضافة إلى إنشاء مجلس تشريعي مؤقت ولجنة دستورية لصياغة الدستور، بما يضمن استمرارية عمل المؤسسات وضبط عملية الانتقال السياسي.

وركّز البيان على العدالة الانتقالية، وهي تشمل محاسبة المجرمين، وإصلاح القضاء، وتنمية الحياة السياسية، وإطلاق حرية تشكيل الأحزاب السياسية، وإعادة تفعيل مؤسسات المجتمع المدني، بهدف بناء نظام قانوني أكثر شفافية وعدالة، وفي المجال الاقتصادي، دعا المؤتمر إلى اعتماد سياسات تعزز النمو، وتشجع الاستثمار، وتحمي المستثمرين، كما طالب برفع العقوبات المفروضة على سورية والتي تعوق جهود إعادة الإعمار، وذلك بهدف تحسين الظروف المعيشية وتهيئة بيئة اقتصادية أكثر استقرارًا.

وشدد البيان الختامي أيضًا على ضمان الحقوق والحريات العامة، واحترام حقوق الإنسان، مع تأكيد أهمية تعزيز دور المرأة في مختلف المجالات وتحقيق المساواة، إلى جانب حماية حقوق الطفل وتهيئة بيئة آمنة له، مما يعكس التزامًا بترسيخ قيم العدالة والمساواة في المجتمع السوري الجديد، مع إصدار قوانين العزل السياسي وفقًا لأسس ومعايير عادلة.

تعكس هذه البنود نوعًا من تعهّد السلطة ببناء سورية جديدة، قائمة على أسس تحترم كرامة الفرد، والقطع مع النهج السلطوي الذي حكم البلاد لعقود، فالبيان الختامي قدّم خطوطًا عامة لرؤية شاملة لمستقبل سورية، تركّز على وحدة البلاد، وحكم القانون، والمساءلة، والتنمية.

  • تقييم نتائج المؤتمر:

تمثل النتائج التي توصل إليها المؤتمر تقدمًا مهمًا في مسار الأزمة السورية، حيث إنها المرة الأولى التي يتم فيها التوافق على خطوات انتقال سياسي بهذا المستوى من التفصيل من قبل طيف واسع من السوريين أنفسهم، دون وصاية خارجية مباشرة، مما قد يجعل هذا المؤتمر نقطة تحوّل مهمة في مسار العملية السياسية، فهذه هي المرة الأولى التي يجتمع فيها هذا العدد الكبير من ممثلي الشعب السوري من مختلف المناطق في قصر الشعب، ويتجولون ويتحدثون به بحرية كاملة، وكان لديهم هامش واسع للنقاش وطرح مختلف القضايا دون خوف، مما يعزز الشعور بوجود إرادة سورية لإعادة بناء الدولة، ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار يعتمد على قدرة السوريين، سلطةً وشعبًا، على تنفيذ الرؤى المتفق عليها، ومعالجة ما تبقى من نقاط الخلاف بالحوار والتفاهم.

ومن خلال مشاركة مئات الشخصيات، من مختلف الاتجاهات السياسية والاجتماعية، حصلت القيادة الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، على تفويض معنوي واسع للمضيّ قدمًا في تنفيذ خارطة الطريق المعلنة، مما يمنحها دعمًا إضافيًا في مواجهة التحديات التي تنتظرها، وأكد المؤتمر مبدأ توحيد الفصائل المسلحة ضمن جيش وطني واحد، وخضوع السلاح لسلطة الدولة حصريًا، وإذا ما تحقق ذلك عمليًا، فإنه سيؤدي إلى نهاية حقبة تعدد الجيوش على الأرض السورية، مما يعزز احتكار العنف الشرعي بيد الدولة الانتقالية، ويضعف نفوذ أمراء الحرب الذين لعبوا دورًا رئيسيًا في إطالة أمد النزاع.

ويعدّ المؤتمر خطوة في العملية السياسية التي ظلّت متعثرة لسنوات، فبدلًا من حوارات غير مباشرة برعاية أممية بين النظام والمعارضة، كما كان الحال في مفاوضات جنيف، جاء هذا المؤتمر ليشكل حوارًا سوريًا-سوريًا مباشرًا، بعد تغيّر موازين القوى على الأرض.

ومع ذلك، لا تزال هناك ملفّات عالقة قد تؤثر في الاستقرار السياسي مستقبلًا، وعلى رأسها مصير قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حيث أكد المؤتمر على وحدة الأراضي السورية، لكنه لم يشر إلى مسار واضح بشأن مستقبل هذه القوات ودورها في المشهد السياسي والعسكري القادم، وهو ما قد يكون محل خلاف في المستقبل.

وحظي المؤتمر بتغطية إعلامية واسعة، سواء على المستويات المحلية أو الإقليمية أو الدولية، حيث تفاوتت التغطيات الإعلامية، بين الترحيب بإطلاق عملية سياسية جديدة والتركيز على النتائج الإيجابية، وبين توجيه انتقادات تتعلق بقصور التمثيل، وبعض الجوانب التنظيمية للمؤتمر، وتوالت ردّات الفعل العربية والدولية، حيث جاء معظمها داعمًا للمؤتمر، مع تحفظات من بعض الأطراف التي رأت فيه إعادة تشكيل لموازين القوى في سورية بعيدًا عن تأثيرها المباشر.

وبالمقارنة مع التجارب المشابهة في الدول العربية، فقد شهدت اليمن مؤتمر الحوار الوطني اليمني (2013-2014) الذي جمع أطياف الصراع بعد الإطاحة بالرئيس علي عبد الله صالح، وخرج بمخرجات مهمة، منها مسودة دستور ورؤية لدولة اتحادية، لكنه تعثر لاحقًا مع انهيار التوافق واندلاع حرب جديدة، ومع أن الأهداف العامة لمؤتمر دمشق تتشابه مع التجربة اليمنية، فإن الفارق الجوهري يكمن في أن الحرب في سورية سبقت الحوار، وتم الحسم عسكريًا قبل إطلاقه، أما في اليمن فكان الحوار سابقًا للحرب الحالية ولم يمنعها.

وكذلك شهدت ليبيا عدة محاولات للحوار الوطني، أبرزها اتفاق الصخيرات (2015) وملتقى الحوار السياسي الليبي (2020)، برعاية الأمم المتحدة، بهدف توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام، ورغم نجاح هذه المبادرات في تشكيل حكومات مؤقتة، فإن غياب التوافق الكامل حول الشرعية والقوانين الانتخابية أدى إلى استمرار الأزمة ووجود حكومتين متنافستين، وأثبتت التجربة أن الحوار ضروري لكنّه غير كافٍ، إذ يتطلب التزامًا محليًا ودوليًا حقيقيًا لتنفيذ الاتفاقات ومنع عودة النزاع المسلح.

بينما مثّل الحوار الوطني التونسي عام 2013 نموذجًا ناجحًا لحلّ الأزمات، حيث قاده الرباعي (الاتحاد العام التونسي للشغل، اتحاد الصناعة والتجارة، هيئة المحامين، والرابطة التونسية لحقوق الإنسان) الحوار لإنهاء التوتر السياسي عقب اغتيالات سياسية، وأسفر عن استقالة حكومة الترويكا، وتشكيل حكومة تكنوقراط، وإقرار دستور 2014، مما منح تونس استقرارًا مؤقتًا، لكن تونس واجهت لاحقًا أزمات سياسية واقتصادية أضعفت المسار الديمقراطي.

إذًا، يعتمد نجاح أي حوار وطني على التزام القوى الفاعلة بتنفيذ ما تتفق عليه وعدم الانقلاب عليه، كما أن نجاح مخرجات مؤتمر 2025 يتوقف على استمرار وحدة صف القوى التي أنجزته، وعدم انزلاقها إلى خلافات داخلية أو صدامات مع المكونات غير الممثلة حاليًا.

  • ملاحظات إضافية حول المؤتمر:

على الرغم من الترحيب بالمؤتمر ونتائجه، فإنه واجه مجموعة من الانتقادات التي طالت جوانب مختلفة من تنظيمه ومخرجاته.

ثمة رأي مفاده أن جعل الحوار ممتدًا لشهر على الأقل وتنظيمه بطرق أفضل وبلجنة أوسع تمثيلًا، كان سيرتد إيجابًا أكثر بكثير على السلطة الجديدة في دمشق، ولكن يبدو أن الاستعجال في عقد مؤتمر الحوار سببه الحاجة لإظهار أن قرارات إصدار الإعلان الدستوري والمجلس التشريعي واللجنة الدستورية قد صدرت عن مؤتمر حوار وطني، بما يستكمل البناء المؤسسي للمرحلة الانتقالية، ولكن كان من اللافت غياب أي ذكر لتشكيل حكومة جديدة.

غير أن قصر فترة التحضير للمؤتمر لم يتح لجلسات الحوار في المحافظات الوقت الكافي لمناقشة محاور المؤتمر المختلفة، مما أدى إلى عدم التعمق في القضايا الجوهرية، ولم يكن ثمة محاور رئيسية لمناقشتها في جميع المؤتمرات، فمؤتمرات الحوار لا تناقش عادة القضايا الصغيرة والهموم اليومية، بل تناقش القضايا الكبرى التي تشكل الهيكل العظمي للبناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأسس ومبادئ العقد الاجتماعي الجديد.

وشكل غياب منصة رسمية للتواصل، تكون مرجعًا موثوقًا للمعلومات حول جلساته ومخرجاته، نقصًا في المعلومات أفسح مجالًا لكثير من التكهنات، وبالرغم من أن بيان المؤتمر قد نصّ على أنه عهد وميثاق، فإنه لم يتضمن آلية تنفيذية متابعة تنفيذ مخرجاته.

ولم تكن ثمة معايير واضحة لاختيار المشاركين في الجلسات، إذ اعتمدت اللجنة المنظمة على مندوبين معتمدين في كل مدينة لترشيح الحضور، ما جعل العلاقات الشخصية تلعب دورًا رئيسيًا في الترشيحات، وأدى ذلك إلى تغييب العديد من الشخصيات ذات الثقل السياسي والثقافي والاقتصادي، وهو ما اعتُبر خذلانًا للجهود الرامية إلى صياغة مستقبل الدولة السورية بطريقة شاملة وتمثيلية. وأثار توجيه الدعوات إلى شخصيات محسوبة على النظام السابق انتقادات واسعة، حيث رأى البعض أن ذلك قد يؤثر في مصداقية المؤتمر، ويعوق تحقيق التغيير المطلوب، فقد شكّلت مسألة التمثيل المتوازن كثيرًا من المناقشات، حيث أُشير إلى تهميش بعض المكونات السورية، إذ لم يكن هناك حضور من بعض المناطق، ما أثار شعورًا بالإقصاء لدى بعض الفئات. وكان هناك انتقاد لاستبعاد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من الدعوة للمؤتمر، مع أن اللجنة المنظمة بررت ذلك بأنها رفضت دعوة أي طرف يحمل السلاح، إلا أن بعض الأصوات فسّرت ذلك بأنه إقصاء للمكون الكردي، رغم مشاركة شخصيات كردية أخرى في المؤتمر، وكان هناك ضعف في تمثيل بعض المكونات الأخرى، إذ أعرب المكوّن التركماني عن اعتراضه على ضعف التمثيل، فيما أصدر المجلس الآشوري السوري بيانًا انتقد فيه عدم إشراك ممثلين فعليين عنهم، وظهرت أصوات مشابهة من بعض العلويين والجاليات في الخارج، الذين رأوا أن المؤتمر لم يمنحهم فرصة عادلة للمشاركة.

وعلى الرغم من أن بعض الانتقادات أبرزت أن طابع المؤتمر كان محافظًا أكثر من اللازم، وقد غلب عليه التيار الإسلامي والعشائري التقليدي، غير أن ذلك لم يبرز في البيان، بل سعى البيان لاستعمال صيغ وعبارات المجتمعات الحديثة والدولة العصرية، وإن تجنب بعضها مثل تجنّب مصطلح الديمقراطية.

في ما يخص الشق الاقتصادي، ركّز المؤتمر على القضايا السياسية والدستورية، لكنه لم يتناول مسألة رئيسة مثل إعادة الإعمار، وكيفية توفير التمويل اللازم لذلك، خاصة في ظل استمرار العقوبات الغربية المفروضة على سورية، مما يترك تساؤلات حول إمكانية تحقيق الاستقرار الاقتصادي مستقبلًا.

  • خاتمة:

على الرغم من الملاحظات، فقد شكّل المؤتمر بدايةً لتأسيس آلية تشاورية ديمقراطية، رغم عدم نص البيان عليها، ومن الضروري أن تستمر وتنمو وتتمأسس، فقد أحدث المؤتمر تحوّلًا جوهريًا في المشهد السياسي السوري، وشكل بداية لإعادة صياغة التحالفات والقوى الفاعلة ضمن إطار الدولة، بدلًا من التشرذم السابق. ومع الترحيب الواسع، محليًا ودوليًا، تبقى العبرة في قدرة السوريين على استدامة زخم هذا التحوّل ومعالجة القضايا العالقة بالحوار، حتى لا تتحول الآمال الكبيرة إلى خيبة أمل، كما حدث في تجارب دول أخرى بعد النزاعات.

جاء البيان الختامي مرضيًا في معظمه لمعظم الأطراف السورية، ويترقّب السوريون الآن محتوى الإعلان الدستوري المؤقت، وآلية اختيار المجلس التشريعي وطبيعة أعضائه ومدى تمثيله، وتشكيل الحكومة المقبلة ومدى تمثيلها وكفاءتها، ومدى الالتزام بروح بيان المؤتمر، كما ينتظر السوريون -سلطة وشعبًا- أن تُرفع العقوبات بشكل كامل ونهائي، ومن نافل القول أن على جميع السوريين الوطنيين العمل بمنتهى الفعالية، لإنجاح المرحلة الانتقالية، والوصول إلى سورية المستقبل التي يتطلّع إليها السوريون والتي قدّموا التضحيات الجسيمة من أجل الوصول إليها.

أحمد الشرعأسعد الشيبانيسوريةمؤتمر الحوار الوطني

الاقتباسات

المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة. (2025). مؤتمر الحوار الوطني السوري.. بين التطلعات الوطنية والتحديات المستقبلية. المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة. مسترجع من https://harmoon2.techbithub.com/p/5387/
حمل PDF

دعوة إلى الكتابة

“السويداء” في ملف العدد الثامن والعشرين من مجلة قلمون

صدر العدد الرابع والعشرون من “قلمون: المجلة السورية للعلوم الإنسانية”، وحمل ملفه الرئيس عنوان “النشاط العام والمعارض لسلطة البعث في سورية 1963-2010″، درست فيه تسعة بحوث متسلسلة تاريخيًا صورًا من النضال السلمي السوري ضد نظام البعث، وأشكالًا من النشاط العام والسياسي الممتد على أكثر من خمسين عامًا من تاريخ سورية.
وقد وضح رئيس التحرير يوسف سلامة في كلمة العدد أن “أبرز ما اتسمت به مقاومة السوريين لهذا النظام طابعها السلمي الشامل والدائم، إلا في حالات استثنائية قليلة، كما هو الحال بالنسبة إلى نشاط (الطليعة الإسلامية المقاتلة).
وغالبًا ما تمثل النشاط المعارض للنظام في المظاهر السلمية المألوفة في المجتمعات الديمقراطية من مثل: التظاهرات والإضرابات والاعتصامات وتأسيس الأحزاب السرية سلمية الطابع التي لم يجاوز نشاطها اجتماع الحلقات وتوزيع المنشورات. ولم يخرج نشاط النقابات العمالية والمهنية عن هذا التقليد أبدًا في الثمانينيات. وكذا الأمر بالنسبة إلى الجمعيات الإسلامية المدنية في التسعينيات، أو بالنسبة إلى رجال الأعمال الذين حاولوا دعم بعض الحراكات المدنية على امتداد تسعينيات القرن العشرين. أضف إلى ذلك أن النشاط الكردي المعارض ومثيله السرياني لم يُؤثر عنهما القيام بأي نشاط يتناقض والطب

المزيد