المجتمع المدني ومنظماته في سورية،تاريخ وتحولات، وأدوار في المرحلة الانتقالية
العدد السابع والثلاثون (شتاء 2026) :
أفرزت المرحلة اللاحقة لسقوط نظام الأسد في سورية تحولات لافتة في بنية المجال العام، ما تمثّل في تصاعد حضور منظمات المجتمع المدني والجمعيات، بوصفها فاعلًا مركزيًا في إدارة الفراغ المؤسسي والخدمي. غير أنّ هذا الاتساع الكمي، في الفعل المدني والخدمي والاجتماعي، لم يقترن بتحول نوعي يمكّنه من أداء دور مؤثر في مسارات بناء الدولة السورية الجديدة، أو إعادة تشكيل المجال العام على أسس الحداثة السياسية.
تؤدي منظمات المجتمع المدني دورًا محوريًا في دعم مسار التنمية السياسية، إذ تُسهم في إعادة بناء المجال العام على أسس تشاركية وديمقراطية. فمن خلال تعزيز قيم المواطنة، ونشر ثقافة الحقوق والحريات، تعمل هذه المنظمات على تمكين الأفراد والمجتمعات المحلية من الانخراط الفاعل في الشأن العام، فتضطلع بدور رقابي على أداء المؤسسات الرسمية، بما يعزز الشفافية والمساءلة، ويحدّ من مظاهر الفساد. إلى جانب ذلك، تُسهم في بناء القدرات السياسية عبر التدريب والتأهيل، ودعم المبادرات الحوارية التي تعزز التوافق الوطني. وبذلك، تشكّل منظمات المجتمع المدني رافعة أساسية لترسيخ الحكم الرشيد وتحقيق الاستقرار السياسي المستدام والعدالة الانتقالية.
تكشف التجربة السورية، في عامها الثاني بعد سقوط النظام، عن مفارقة بنيوية بين اتساع الوظيفة وضيق الأثر، إذ اضطلعت منظمات المجتمع المدني في سورية بأدوار حيوية في الاستجابة الخدمية واحتواء التوترات، ولكنها بقيت عاجزة عن التحول إلى فاعل مؤسسي يمتلك رؤية وتأثيرًا في السياسات العامة. وتعود هذه المفارقة، في جوهرها، إلى غياب تصور استراتيجي لدور المجتمع المدني في سياق الانتقال، فضلًا عن هشاشة البنى التنظيمية، وتعدد المرجعيات، واستمرار الارتهان لأنماط تمويل غير مندمجة في أولويات وطنية.
تنطلق قلمون لدراسات سورية المعاصرة، في ملفها الذي يُعنى بمنظمات المجتمع المدني في سورية، من مساءلة موقع هذه المنظمات بين نموذجين متنازعين: الأول، وظيفي يختزل الفعل المدني في إدارة الأزمات وتقديم الخدمات، والثاني، نموذج مؤسسي- ديمقراطي يسعى إلى تكريس المجتمع المدني، بوصفه فاعلًا مستقلًا في إعادة بناء المجال العام وتعزيز المساءلة والمشاركة. عليه، تُثار الأسئلة الآتية: ما سبب واقع الفجوة بين حضور منظمات المجتمع المدني في سورية وتأثيرها في المجال العام، ولا سيما السياسي؟ ما طبيعة العلاقة الناشئة بين الدولة في المرحلة الانتقالية الراهنة والعمل المدني؟ ما الشروط الضرورية لتحول هذا العمل إلى حامل اجتماعي للتحول السياسي؟
الدولة في المرحلة الانتقالية وإدارة العمل المدني
لا يمكن فهم واقع المجتمع المدني في سورية بمعزل عن إرث طويل من انقطاع وتسييس، ما حال دون تطوره التراكمي بوصفه مجالًا مستقلًا. وقد أعادت الثورة السورية إنتاج العمل المدني في سياقات بديلة، ولا سيما في المناطق التي حررتها المعارضة ودول اللجوء، حيث أدّت منظمات المجتمع المدني أدوارًا كانت من اختصاص الدولة. إلا أنّ هذه التجربة، على الرغم من أهميتها، ظلت محكومة بحالات طوارئ والاعتماد على التمويل الخارجي، وغياب الأطر القانونية المستقرة. وعند الانتقال إلى مرحلة ما بعد التحرير وسقوط النظام، برزت هشاشة الفعل المدني، سواء أكان على مستوى الرؤية أم البنية أم القدرة على التكيّف مع متطلبات الانتقال إلى مرحلة بناء الدولة، ما أعاد طرح سؤال الوظيفة والدور.
لقد اتسمت سياسات الدولة الانتقالية تجاه منظمات المجتمع المدني بطابع هجين، إذ يجمع بين الانفتاح النسبي والضبط الإداري-القانوني. لم تعتمد الدولة آليات لضبط عمل هذه المنظمات مباشرة أو إجبارها على أن توظف لتحقيق لأهداف السلطة، بالصورة التي انتهجها النظام السابق، وإنما اعتمدت على أدوات تنظيمية أعادت تعريف حدود الفعل المدني، وأبقت منظماته ضمن أدوار تنفيذية مرافقة للسلطة، مع تقييد وظائفها الرقابية والسياسية. وقد تجلّى ذلك في استمرار العمل بقوانين سابقة، ومنح تراخيص مؤقتة، وتعدد الجهات المشرفة، وفرض قيود على التمويل والنشاط، ما أسهم في تكريس إدارة جزئية للعمل المدني، بدلًا من بلورة إطار حوكمي متكامل، فانعكس ذلك سلبًا على فاعليته.
تبين تجارب سابقة في حالات انتقالية أنّ فاعلية منظمات المجتمع المدني ترتبط بشرطين متلازمين: أولًا، وضوح وظيفة الفعل المدني في سياق الانتقال السياسي. ثانيًا، ووجود إطار قانوني يضمن الاستقلالية التنظيمية والمالية لمنظمات المجتمع المدني. وفي حين نجحت تجارب عديدة في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني على أسس مؤسسية، ما يزال النموذج السوري مفتقرًا إلى ذلك، وهو يعاني ضبابية شديدة في تحديد أدوار الفعل المدني في المجال العام.
تسعى قلمون لدراسات سورية المعاصرة لتوفير مقاربات بحثية نقدية بشأن واقع منظمات المجتمع المدني في سورية، وتحليل أدوارها وتحولاتها ومشكلاتها، بما يسهم في استكشاف إمكانات تطويرها، بوصفها أحد الشروط البنيوية للانتقال إلى دولة المواطنة والقانون. وتسعى قلمون لدراسات سورية المعاصرة لربط المناقشات النظرية بالتحولات الواقعية والعملية الراهنة، بشأن العمل المدني في سورية، واستحضار خبرات مقارنة، من دون إسقاطها على الحالة السورية، بصورة لا نلائم خصوصيتها.
محاور مقترحة للبحث
- منظمات المجتمع المدني والتحول السياسي: أدوار الفاعلين المدنيين في الانتقال السياسي، وحدود تأثيرهم في إعادة تشكيل المجال العام.
- الدولة الانتقالية وتنظيم العمل المدني: أنماط العلاقة بين الدولة والمنظمات، ومشكلات الضبط والاستقلالية.
- البنية التنظيمية والحوكمة: مشكلات البناء الداخلي، والشفافية، ودور النخبة (السياسية والفكرية والاجتماعية.. إلخ) في تشكيل الفعل المدني.
- التمويل والاستقلالية: أثر التمويل الخارجي في تحديد الأولويات، وأسئلة الاستدامة.
- منظمات المجتمع المدني في سورية: الأدوار والتوظيفات
- المجتمع المدني والسياقات المحلية: العلاقة بالبنى الاجتماعية، والأدوار في السلم الأهلي والعدالة الانتقالية.
- المقاربات المقارنة: دروس من تجارب انتقالية، وحدود إمكان توظيفها في الحالة السورية.
- أدوار منظمات المجتمع المدني السوري في حالات اللجوء والنزوح
- أدوار منظمات المجتمع المدني في المناطق المحررة، قبل سقوط النظام، والمناطق التي كانت خارج سيطرته عمومًا.
تستقبل قلمون لدراسات سورية المعاصرة مقترحات بحثية (ملخص)، في إطار المحاور أعلاه وغيرها مما يقترحه الباحثون والباحثات، بشأن المجتمع المدني ومنظمات المجتمع المدني في سورية، حتى موعد أقصاه 10أيار/ مايو 2026، على أن ترسل بحوث المقترحات المقبولة مكتملةً حتى موعد أقصاه 10 أب/ أغسطس 2026.
الملخص: حوالى 500 كلمة، متضمنًا إشكالية البحث ومنهجيته وفرضيته وأهميته والإضافة المعرفية المتوقعة منه.
تخضع البحوث للتحكيم العلمي أصولًا، والأولوية للمقاربات والمنهجيات التي تجمع بين النظري والعملي (ميداني وتطبيقي ودراسة حالة.. إلخ)، وترحب قلمون بالمقاربات العابرة للتخصصات.
تجدون معايير النشر والتوثيق العلمي المعتمدة في موقع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة:
https://n9.cl/kcj13 و https://acr.ps/hBxWAzC
ترسل المقترحات، مرفقةً بالسيرة العلمية للباحث/ة، والبحوث عند اكتمالها، عبر البريد الإلكتروني لمجلة قلمون: kalamoon@Damascusinstitute.org




