حزب العمال الكردستاني وتأثيره في العلاقات التركية السورية

مقدمة

يمتد صراع تركيا مع حزب العمال الكردستاني الـ (PKK) إلى أوائل الثمانينيات، حين تبنى الحزب شعارات ذات نزعة انفصالية والكفاح المسلح لتحقيق مشروعه الأساسي، المتمثل في إنشاء دولة كردستان الكبرى[1]. وقد كان النظام السوري في عهد حافظ الأسد أول من قدم الدعم للحزب خارج حدود تركيا، وذلك بتوفير معسكرات التدريب لعناصر الحزب وإيواء زعيمه عبد الله أوجلان في دمشق، وقد أدى هذا الدور لسورية إلى عودة العلاقات العدائية مع تركيا التي ترى في حزب العمال الكردستاني منظمة خطرة، تهدد بزعزعة أمنها واستقرارها الداخلي[2].

سعت أنقرة في البداية لوقف الدعم السوري للحزب دبلوماسيًا، لكن دمشق أنكرت في ذلك الوقت أنها كانت تسمح لحزب العمال الكردستاني بالوجود على أراضيها، على الرغم من أن أوجلان كان يجري مقابلات مع وسائل الإعلام الدولية من العاصمة السورية، وازداد التوتر بين البلدين حتى وصلا إلى حافة الحرب في عقب تهديد أنقرة بغزو الأراضي السورية عام 1998، بسبب إيواء أوجلان ودعم حزبه الذي استخدمته دمشق أداة ضغط ضد تركيا متى لزم الأمر، وقد أثمرت هذه السياسة بتوقيع اتفاق أضنة الأمني بين البلدين، وطرد أوجلان من دمشق، قبل أن يجري اعتقاله وإيداعه في سجن أميرالي بتركيا، والحكم عليه بالسجن مدى الحياة[3]. وهكذا انخفض نشاط حزب العمال في سورية، كما أنه غيَرَ قليلًا من توجهاته، وبدأ يميل نحو التهدئة، لا سيما بعد إدراجه على قوائم الإرهاب في عدد من الدول والمنظمات الغربية مثل أميركا والاتحاد الأوروبي وبطبيعة الحال في تركيا، لكنَ ذلك لم يحل دون تشكيل أحزاب جديدة منفصلة عنه في كل من سورية والعراق وتركيا وإيران، أهمها حزب الاتحاد الديمقراطي PYDفي سورية، ويتزعمه حاليًا كل من شاهوز حسن وعائشة حسو[4]، وقد بدأت سورية خلال سنوات الأزمة باستخدامه للضغط على تركيا من جديد؛ فتوترت العلاقة بينهما مجددًا بعد أن تحسنت لنحو عقد من الزمن قبل انطلاق الثورة السورية.

كيف خان حزبُ العمّال الكردستاني بزعامة جميل بايق الأكرادَ السوريّين

ففي نهاية التسعينيات تحديدًا، كانت أنقرة قد نجحت بتحويل العلاقات العدائية التاريخية مع سورية بسبب الخلافات على المياه والحدود واحتضان دمشق لحزب العمال الكردستاني إلى علاقة صداقة، وقد جاء هذا التحول تماشيًا مع سياسة تركيا في الشرق الأوسط التي تعدّ أي دولة تساعد تركيا ضد حزب العمال الكردستاني دولة صديقة، وأي دولة تساعد الحزب دولة عدوة[5].

ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم عام 2002، تطورت علاقات الصداقة والتعاون بين البلدين، ووصلت إلى حد التعاون الاستراتيجي بينهما، إذ أقامت تركيا علاقة وثيقة مع الابن بشار الأسد الذي خلف والده، استنادًا إلى سياسة العمق الاستراتيجي وتصفير العلاقات مع الجيران التي تبناها أحمد داوود أوغلو، العقل المفكر لحزب العدالة والتنمية، لتكون هذه الاستراتيجية إحدى محددات السياسة الخارجية لتركيا في علاقاتها مع دول الإقليم[6]. لكن بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، وقطع تركيا علاقاتها مع دمشق احتجاجًا على استخدام النظام العنف ضد السوريين، ووقوفها إلى جانب الشعب السوري والمعارضة، عادت دمشق إلى طبعها القديم؛ ففتحت ذراعيها من جديد لحزب العمال الكردستاني، وسمحت لفرعه المحلي –حزب الاتحاد الديمقراطي– بالتوسع والسيطرة على بعض المناطق الحدودية مع تركيا، ما تسبب في استعادة حالة التوتر بين البلدين[7].

تسعى هذه الدراسة لتحليل العلاقة التي ربطت حزب العمال الكردستاني PKK بالنظام السوري منذ عام 1980 في عهد الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، وعودة هذه العلاقات في عهد الابن بشار الأسد بعد اندلاع الثورة السورية، وكشف أبعاد هذا الدعم على العلاقات السورية التركية. وقد اعتمدت الباحثة على المنهجين التاريخي والوصفي التحليلي لتحقيق أهداف البحث، وأجرت عددًا من المقابلات مع مختصين بالشأن التركي والسوري. تفترض الدراسة أن الدعم السوري لحزب العمال الكردستاني كان بهدف استخدام الحزب ورقة ضغط ضد أنقرة، وأن عودة العلاقات بين النظام السوري وحزب العمال الكردستاني وفرعه المحلي في سورية خلال الأزمة السورية كانت للغرض ذاته، وبخاصة بعد رفض تركيا لسياسات بشار الأسد القمعية ضد المتظاهرين السوريين، وفتح أنقرة أبوابها للمعارضة السورية، وتمويلها.

[1] أحمد المصري، “الكرد بين أتاتورك وأردوغان ما الذي تغير؟”، مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، 2015. بتصرف. تاريخ الزيارة: 20-12-2018، من: http://cutt.us/5I3ly

[2] المصري، المرجع السابق. بتصرف.

[3] جاغايتاي سونر، “سورية وتركيا: البُعد الخاص بـ “حزب العمال الكردستاني”، المرصد السياسي، معهد واشنطن، 2012. بتصرف. تاريخ الزيارة: 20-12-2018. من: http://cutt.us/JXrfs

[4] موقع حزب الاتحاد الديمقراطي، تاريخ الزيارة 2-2-2019. من الرابط: http://pydrojava.net/arabic/

[5] سونر جاغايتاي، سورية وتركيا: البُعد الخاص بـ “حزب العمال الكردستاني”، بتصرف.

[6] شتيفان بوخن، “حزب العمال الكردستاني ونظام الأسد – عدو عدوي صديقي”، يوسف حجازي (مترجم)، موقع DW، 2012. تاريخ الزيارة

30-11-2018. بتصرف. من الرابط: https://p.dw.com/p/15w0i

[7] بوخن، المرجع السابق، بتصرف.

الاقتباسات

لندا شلش. (2019). حزب العمال الكردستاني وتأثيره في العلاقات التركية السورية. المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة. مسترجع من https://harmoon2.techbithub.com/p/9072/
حمل PDF

دعوة إلى الكتابة

“السويداء” في ملف العدد الثامن والعشرين من مجلة قلمون

صدر العدد الرابع والعشرون من “قلمون: المجلة السورية للعلوم الإنسانية”، وحمل ملفه الرئيس عنوان “النشاط العام والمعارض لسلطة البعث في سورية 1963-2010″، درست فيه تسعة بحوث متسلسلة تاريخيًا صورًا من النضال السلمي السوري ضد نظام البعث، وأشكالًا من النشاط العام والسياسي الممتد على أكثر من خمسين عامًا من تاريخ سورية.
وقد وضح رئيس التحرير يوسف سلامة في كلمة العدد أن “أبرز ما اتسمت به مقاومة السوريين لهذا النظام طابعها السلمي الشامل والدائم، إلا في حالات استثنائية قليلة، كما هو الحال بالنسبة إلى نشاط (الطليعة الإسلامية المقاتلة).
وغالبًا ما تمثل النشاط المعارض للنظام في المظاهر السلمية المألوفة في المجتمعات الديمقراطية من مثل: التظاهرات والإضرابات والاعتصامات وتأسيس الأحزاب السرية سلمية الطابع التي لم يجاوز نشاطها اجتماع الحلقات وتوزيع المنشورات. ولم يخرج نشاط النقابات العمالية والمهنية عن هذا التقليد أبدًا في الثمانينيات. وكذا الأمر بالنسبة إلى الجمعيات الإسلامية المدنية في التسعينيات، أو بالنسبة إلى رجال الأعمال الذين حاولوا دعم بعض الحراكات المدنية على امتداد تسعينيات القرن العشرين. أضف إلى ذلك أن النشاط الكردي المعارض ومثيله السرياني لم يُؤثر عنهما القيام بأي نشاط يتناقض والطب

المزيد