هل المعارضة حاصل جمع سلبي؟

الحديث عن المعارضة السورية يستوجب التمييز بين محتويين مختلقين، نشأ أحدهما سابقًا في مواجهة النظام السوري ببنيته القمعية ونظامه الشمولي، والمحتوى الآخر أحدثته المأساة السورية وامتدادها الزمني والمكاني، وانتهاج دول عديدة طرقًا للاستثمار بها بأذرع وأدوات محلية، وغايات خارجية؛ فأولهما مفهوم المعارضة بمحتواه التقليدي، وهي تلك التي تشكل حراكًا سياسيًا ومجتمعيًا وإعلاميًا، هدفه مصلحة الشعب السوري، بتحقيق التغيير السياسي السلمي القائم على حقوق المواطنة وإقامة نظام ديمقراطي، وبين “المعارضة المستحدثة” بأسماء كيانات، أو التي تسمى “معارضة”، وهي التي وُلدت من رحم أجندات خارجية، تقارب مصالح هذه الدولة أو تلك، وتستظل بشعار كبير هو مصلحة الشعب السوري، بينما لا تقارب هذه المصلحة، إلا إذا توافقت ومصالح مشغليها، وتستمد شرعيتها من الخارج أكثر مما تستمده من السوريين، وتتصرف كأنها في وظيفة رسمية، بكل المعنى الكامن وراء ذلك.

ولهذا، يبدو من المنطقي أن يبحث السوريون باستمرار عن بارقة أمل بتشكيل كيان معارض يمثل طموحاتهم ويدافع عنها، ولكن ذلك لا يتأتى من فراغ ولا بالبناء على تربة هشة، أو تجميع كيانات فاشلة، لأن حاصل جمع السالب لن يكون موجبًا، وهذا يوجب الانتباه إلى مسألتين: الأولى الاعتراف بأن عشر سنوات لم تنتج معارضة بمفهومها السياسي، أي العجز عن تخليق معارضة، لأسباب ذاتية وموضوعية، بكل ما في ذلك من صعوبات وتعقيدات وإحباطات؛ والثانية مشروعية توليد معارضة سياسية، ولو بخطوات متواضعة ومتدرجة، لسد الفراغ الحاصل في هذه المسألة الضرورية والحيوية، فالمعارضة ليست مضاربة في سوق أسهم، ولا شركة قابضة تستولي على شركات غارقة، إنما هي رؤيا أو مشروع وطني يلتف حوله المؤمنون به، ويعملون من أجل تحقيقه.

وانطلاقًا من هاتين المقدّمتين، يمكن تشجيع، أو دعم، أي مبادرة تذهب في هذا الاتجاه، أو تمهّد له، أو تراكم في سبيله، بيد أن ذلك يفترض أن يتأسس على قواعد، أو على إدراكات، تضمن نجاح أي مبادرة. مثلًا، لا يمكن الشروع في أي مبادرة من دون رؤية نقدية مسؤولة للتجربة الماضية، ومن ضمنها تجارب المجلس الوطني، والائتلاف، والحكومة المؤقتة، والهيئة التفاوضية، واللجنة الدستورية، وهذا يشمل الخطابات التي تم تبنيها، وأشكال العمل، وكذلك تجارب الفصائل العسكرية والمناطق المحررة، لأن كل تلك الأشكال تتقاسم المسؤولية، ولو بنسب متفاوتة، مع النظام المتعنت، عمّا وصلنا إليه.

 إن إعلان تجميعها من جديد، تحت أي مسمى، هو جمع سلبي سينتج المحاصصات ذاتها، وأسباب الفشل والارتهان ذاتها، حتى مع وجود أرفع مقامات الشخصيات الوطنية على رأس التشكيل، أو ضمن قائمة المدعوين إليه، وفكرتي هنا أن هذه التجربة هزمت، عندما انتهج المجلس الوطني، وبعده الائتلاف، وبعده الرياض1، وسوتشي، والرياض2، واللجنة الدستورية، مبدأ التجميع العددي وليس النوعي.

 لذلك، بقي السؤال يتردد: ماذا قدّمت كل هذه التشكيلات، سواء في مواجهة النظام وحلفائه روسيا وإيران، أو في الحد من المداخلات الخارجية التي تحكمت في المعارضة “المركبة” وأشكال عملها؟ وأقصد هنا أن الحديث عن الهزيمة معنيّ به القائمون على التجربة، وليس التجربة ذاتها، وهم الأشخاص ذاتهم الذين استنفدوا فرص تجريبهم فيها، وليس فكرة وجود هذه الكيانات، كممثل عن الثورة، ولا الشعب السوري، الذي وجد نفسه من دون معارضة حقيقية تمثله، ووجد نفسه إزاء مداخلات قوى أخرى دولية وإقليمية، شلّت قدرته، وزادت من مآسيه؛ ما يضعنا أمام معادلة خاطئة لا يتساوى فيها مشروعية تشكيل كيان يستحقه السوريون، مع تجميع الكيانات التي أسهمت في تحجيم آماله، وربما تداعيها في قيام دولته الديمقراطية ذات السيادة التي قدّم تضحياته لأجلها.

كل طرح يستهدف اليوم استنهاض المعارضة، بمحتواها الوطني، وبأدواتها السورية، وطروحات ثورتها المدنية (2011) التي طرحتها بهتافاتها الأولى، قبل أي مداخلات خارجية، سيجد حاضنة شعبية كبيرة له يرتكز عليها كقوة مرجعية، تفرض من خلالها وجودها الشرعي في مراكز القرار الدولي؛ فالشرعية التي لا تبنى على أساساتها الشعبية هي شرعية محكومة بالهزيمة والزوال، مع تغير مصالح الدول التي اعتمدت عليها في فرض نفسها، وحركيتها، ومشروعيتها، و أي مبادرة على الأشكال السابقة ستعيد تجريب المجرب، وستضيف عبئًا آخر على السوريين، تحت مسمى جديد، أعاد تدوير ما لفظه الشارع السوري المعارض، بالتساوي مع أشكال رفضه للنظام السوري الحاكم، ولنا في التظاهرات التي خرجت في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، ضد المسؤولين عن الكيانات “المعارضة”، خير درس نتعلم منه.

الشعب السوري بحاجة فعلية إلى تشكيل كيان معارض، أو مركز معارضة، يعبّر عنه فعلًا، يمثله حقًا، في آلامه وآماله، مركز أو منبر أو هيئة تدير أحواله، وتحترم تضحياته وتشتغل لتحقيق طموحاته، العادلة والمشروعة، ولكن هذا يعتمد أيضًا على قرار جريء يستبعد بعض المسؤولين الحاليين الذين تم تدويرهم أكثر من مرة، أو الشخصيات المرتهنة، والتي ثبت -بالتجربة- أنها تفتقر إلى الصدقية والنزاهة، ولا تضيف شيئًا، حتى لو دعت إلى فك، أو إصلاح، إطار ما وإعادة ترتيبه، فذلك لا يسدّ فراغًا، وإنما هو يعيد إنتاج الأشكال نفسها بألوان مختلفة، أو أسماء جديدة لأثواب مهترئة.

دائمًا، في أي وقت، يمكن للسوريين، ولديهم ثراء لا ينضب من شخصيات وطنية مسؤولة، من مثقفين وفنانين وسياسيين ورجال أعمال يتمتعون بالأهلية والنزاهة والتصميم، يمكن لهم التداعي لعقد ندوة، أو مؤتمر، بمبادرة منهم، وبإمكانياتهم الخاصة، لتدارس أحوالهم، وتشكيل نوع من منبر أو هيئة، طالما انتظرها الشعب السوري…ثمة خطوات لا بد منها، ولا بد من تحمّل مسؤوليتها…نعم ثمة مبادرة مطلوبة، وملحة، ولكن ليست أي مبادرة، أو بأي شكل كان، مبادرة لا تعتبر مصدر المال مرجعيتها، لأنه ما من معارضة خارجية لا تحتاج إلى دعم مالي، لكن هذا الاحتياج لا يتطلب الارتهان، وهو ما يمكن التعويل عليه اليوم وغدًا، وفي أي وقت، من داخل سورية أو خارجها.

اللجنة الدستوريةالمعارضة السوريةسورية

الاقتباسات

سميرة المسالمة. (2021). هل المعارضة حاصل جمع سلبي؟. المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة. مسترجع من https://harmoon2.techbithub.com/p/6430/
حمل PDF

دعوة إلى الكتابة

“السويداء” في ملف العدد الثامن والعشرين من مجلة قلمون

صدر العدد الرابع والعشرون من “قلمون: المجلة السورية للعلوم الإنسانية”، وحمل ملفه الرئيس عنوان “النشاط العام والمعارض لسلطة البعث في سورية 1963-2010″، درست فيه تسعة بحوث متسلسلة تاريخيًا صورًا من النضال السلمي السوري ضد نظام البعث، وأشكالًا من النشاط العام والسياسي الممتد على أكثر من خمسين عامًا من تاريخ سورية.
وقد وضح رئيس التحرير يوسف سلامة في كلمة العدد أن “أبرز ما اتسمت به مقاومة السوريين لهذا النظام طابعها السلمي الشامل والدائم، إلا في حالات استثنائية قليلة، كما هو الحال بالنسبة إلى نشاط (الطليعة الإسلامية المقاتلة).
وغالبًا ما تمثل النشاط المعارض للنظام في المظاهر السلمية المألوفة في المجتمعات الديمقراطية من مثل: التظاهرات والإضرابات والاعتصامات وتأسيس الأحزاب السرية سلمية الطابع التي لم يجاوز نشاطها اجتماع الحلقات وتوزيع المنشورات. ولم يخرج نشاط النقابات العمالية والمهنية عن هذا التقليد أبدًا في الثمانينيات. وكذا الأمر بالنسبة إلى الجمعيات الإسلامية المدنية في التسعينيات، أو بالنسبة إلى رجال الأعمال الذين حاولوا دعم بعض الحراكات المدنية على امتداد تسعينيات القرن العشرين. أضف إلى ذلك أن النشاط الكردي المعارض ومثيله السرياني لم يُؤثر عنهما القيام بأي نشاط يتناقض والطب

المزيد