تُعَدّ مسألة الهوية والانتماءات الدينية والطائفية والإثنية في سورية إحدى أكثر الإشكاليات جدلًا، في المناقشات بين السوريين في المرحلة الانتقالية الحالية. وكثيرًا ما يرتفع صوت هذه المناقشات في زمن التحولات الكبرى التي يعيشها مجتمع ما، من مثل الثورات والنزاعات الأهلية والاحتلال وسقوط نظام الحكم.
في السياق السوري، تتجلى هذه المفاهيم بوضوح في التداخلات المعقدة بين الانتماءات المختلفة، إذ تتقاطع الطائفية والإثنية مع الانتماء الوطني، ويؤثر التاريخ السياسي والاجتماعي في كيفية إدراك الأفراد والجماعات هويتَهم وموقعهم في الدولة. فالمجتمع السوري، الذي يضم مكونات دينية وعرقية متنوعة، يشهد نزاعات مستمرة حول من يمثل الأغلبية ومن يتعرض للتهميش، وتستخدم هذه الانقسامات، في أحايين كثيرة، بوصفها أداةً سياسية لإعادة إنتاج السلطة أو التحكم في المجتمع. الأمر الذي يؤكد أهمية دراسة العلاقة بين الانتماءات الفرعية والدولة، وفهم كيفية تأثير النزاعات في إعادة صوغ الهوية الوطنية في سياق النزاعات المستمرة.
من الطبيعي أن تتصاعد المناقشات حول الطائفية والإثنية والهوية في سورية اليوم، ولا سيّما في ظل الأحوال الاستثنائية التي تعيشها البلاد منذ أكثر من أربع عشرة سنة. فقد شهدت سورية نزاعًا مسلحًا وحربًا داخلية، مصحوبةً بانتشار العنف المؤسسي وغير المؤسسي، ما أفرز بيئة معقدة لتفاعلات المجتمع السوري، وأدى إلى تصعيد الانقسامات القائمة مسبقًا أو إعادة إنتاجها بطرق جديدة. وقد لعبت سياسات النظام البائد خلال هذه المرحلة دورًا مركزيًا في توجيه الانقسامات، سواء أكان عبر فرض هيمنة السلطة على مختلف المكونات الاجتماعية، أم عبر استخدام استراتيجيات العنف المختلفة للسيطرة على المواطنين السوريين، بما في ذلك الإجراءات القمعية التي استهدفت المدنيين، وخلّفت آثارًا مهيمنة على التوزيع الاجتماعي والسياسي للسلطة. هذه العوامل تضع المجتمع السوري أمام تحديات إضافية، من أجل فهم العلاقة بين الهوية والانتماء، والطائفية والإثنية، في سياق النزاع المستمر والتحولات السياسية والاجتماعية العميقة.
تكشف هذه المناقشات عن جدل مزدوج، فمن جهة ثمة مقاربة تقول إن البنية المجتمعية السورية تتألف من إثنيات عديدة (عرب وكرد، بصورة خاصة)، وطوائف متباينة (مسيحيون ومسلمون سنة وعلويون ودروز وإسماعيليون، بصورة خاصة)، وأن هذه الانقسامات ليست عرضًا عابرًا، بل سمة أصيلة في تكوين المجتمع، وقد ظهرت مرارًا في صورة صدامات ونزاعات. ويؤكد هذا المنظور أن الاعتراف بهذا الواقع شرط أساس لفهم أزمة الثقة بين السوريين وتفسيرها. ويُلاحَظ أن هذه المقاربة لا تنبع فحسب من الإرث الاستشراقي الذي رسّخ نظرة نمطية إلى المجتمعات الشرقية، بما هي مجتمعات مقسمة إثنيًا وطائفيًا، بل تتسع اليوم لتشمل بعض الدوائر الأكاديمية الغربية، وتجد لها تجليات في أوساط فكرية سورية متباينة.
من جهة أخرى، ترى مقاربة مغايرة أن السوريين شعب متجانس في جوهره، ويتقاسم تاريخًا مشتركًا في مقاومة الاستعمار، وأن العلاقات بين مكوناته قامت دائمًا على قيم الجوار والتعاون والسلم الأهلي. وفقًا لهذه المقاربة، فإن الانقسامات الراهنة ليست تعبيرًا أصيلًا عن المجتمع السوري، بل نتاجًا مباشرًا لسياسات النظام البائد المعتمدة منذ عقود، وتتمثل في توظيف الأبعاد الطائفية والإثنية والعنف، بوصفها آليات سيطرة، ما عمّق المخاوف المتبادلة بين السوريين وأضعف الانتماء الوطني الجامع.
في ظل الأحوال السورية الراهنة، تتنامى مناقشات حول موقع الدولة السورية، ودورها في التعامل مع التعددية الطائفية والإثنية، خصوصًا في ظل المرحلة الانتقالية التي تفرض إعادة التفكير في علاقة الدولة بمكوناتها المجتمعية. وكثيرًا ما تندرج هذه المناقشات في إطار أوسع يتصل بعلاقة الدولة بالهويات الإثنية والطائفية، والقدرة على بناء هوية وطنية جامعة، في ظل الانقسامات والتوترات الراهنة. الأمر الذي يثير أسئلة تتجاوز الحالة السورية، لتشمل المناقشات النظرية حول الدولة الوطنية وإدارة التعددية، ومآلات المجتمعات المنقسمة في المراحل الانتقالية، والدور الذي ينبغي للدولة أن تؤديه في ظل هذه الانقسامات.
بالإضافة إلى ما سبق، يجدر بنا التركيز على تحليل الهويات السورية، من ناحية الانقسامات الأحادية (سياسية أو دينية أو طائفية)، وما له صلة بـتقاطع الهويات، أي التفاعل بين مجموعات متعددة من الانتماء (الديني والجندري والمناطقي والاغترابي)، بوصفه مسارًا لإعادة إنتاج الانتماء وتحديد موقع الفرد والجماعة داخل النزاع. إن إدماج هذا البعد يتيح فهمًا أعمق للتحولات الهوياتية في سورية، ولا سيما في ظل تجارب المنفى التي أعادت تعريف العلاقة بالوطن، وأثر النوع الاجتماعي الذي يلقي بظلاله على صور المشاركة والتمثيل.
لم تعد مناقشات الهوية والطائفية، في المجال الثقافي والسياسي السوري المعاصر، مسألةً نظريةً أو موضوعًا ثانويًا أو شعبيًا فحسب، بل اتخذت أيضًا أبعادًا سياسية واجتماعية مؤثرة، بصورة مباشرة، في مسار الدولة ومستقبل المجتمع. بالإضافة إلى ذلك، تُبين المناقشات المنتشرة، حول النزاعات القائمة والانقسامات المجتمعية التي أفرزتها الحرب والنزاعات السياسية، أن المعالجة الأكاديمية للانتماءات الفرعية وتفاعلاتها مع الدولة ضرورة استراتيجية لفهم ديناميات النزاع وإمكانات بناء السلم الأهلي. ومن ثم، فإن البحث العلمي في الموضوعات المطروحة أعلاه يساهم لا في تطوير المعرفة العامة بالشأن السوري فحسب، بل في تقديم أدوات تحليلية قابلة للتطبيق، من أجل فهم أسباب النزاع في سورية، والوقوف على تداعيات السياسات السلطوية في البلاد، واستشراف آفاق إعادة بناء الدولة السورية على أسس شاملة وعادلة.
يتقاطع هذا الجدل في سورية مع مناقشات نظرية عالمية حول إدارة التعددية والهويات في المجتمعات المنقسمة. فمقاربات آرنت ليبهارت حول الديمقراطية التوافقية، وويل كيمليكا حول حقوق الأقليات، وبندكت أندرسون حول الجماعات المتخيلة، وعزمي بشارة حول الدولة والدولة العربية، والطائفة والطائفية والطوائف المتخيلة، تتيح أدوات تحليلية وخلفيات نظرية لفهم كيفية بناء الهويات الوطنية وتفككها. وإن إدراج الحالة السورية ضمن هذا الإطار من شأنه المساهمة في تجاوز الطابع الوصفي أو الخطابي للمناقشات، وفتح المجال لمقاربات تحليلية أعمق وأوسع.
تسعى مجلة قلمون (المجلة السورية للعلوم الاجتماعية والإنسانية)، ضمن ملفها للعدد الخامس والثلاثين، وهو بعنوان “الاندماج الاجتماعي والهوية الوطنية في سورية المعاصرة“، إلى:
- تحليل خطاب الهوية والطائفية في سورية المعاصرة، ومناقشة مقارباته المختلفة.
- تفكيك العلاقة بين سياسات الدولة وتصاعد الانتماء إلى الهويات الطائفية والإثنية.
- دراسة أثر النزاع في إعادة إنتاج الهويات الفرعية.
- البحث في إمكانات بناء مشروع وطني جامع في سورية المستقبل.
محاور مقترحة للبحث
انطلاقًا من أهمية هذه المناقشات وتعقيداتها النظرية والعملية، تشجع مجلة قلمون الباحثات والباحثين على مقاربة موضوع الملف المطروح من زوايا متعددة، والوقوف على أسبابه وتداعياته، واستشراف آفاق صوغ علاقة جديدة بين الدولة، بما هي دولة مواطنة وفق ما ينبغي أن يكون، والهويات دون الوطنية (الطائفية والإثنية)، في سياق تحولات المرحلة الانتقالية وما بعدها. ومن المحاور المقترحة للبحث ما يأتي:
أولًا. إطار نظري ومفاهيمي
- مقاربات الهوية في الفكرين السياسي والاجتماعي.
- الطائفية: ظاهرة اجتماعية- سياسية أم تصوّر أيديولوجي؟
- الفرق بين الطائفة والطائفية في الفكر السياسي المعاصر.
ثانيًا. جذور تاريخية
- الهوية الوطنية وتشكّل الدولة السورية الحديثة.
- أثر السياسات الاستعمارية في إنتاج الانقسامات والهويات دون الوطنية.
- موقع الطوائف والإثنيات في مشاريع القومية العربية.
ثالثًا. الخطاب النخبوي والمعرفي
- تمثلات الهوية الوطنية في الأدبيات السورية المعاصرة.
- تأثير الاستشراق والبحث الأكاديمي الغربي في إعادة صوغ المناقشات حول الانتماءات دون الوطنية.
- الاندماج الاجتماعي والهوية الوطنية في الإعلام والفكر السياسي المعارض والموالي.
رابعًا. الدولة والانتماءات والهويات في زمن الاستبداد والحرب والأزمات
- دور النظام السابق في تعزيز الهويات دون الوطنية (الانتماءات الطائفية والإثنية).
- غياب برامج اندماج اجتماعي على أساس المواطنة، وأثر ذلك في تعزيز انتماءات دون وطنية، على حساب الوطنية.
- تحولات علاقة الدولة بالطوائف والإثنيات بعد سنة 2011.
- أثر النزاع في إعادة صوغ الهويات الجمعية والفردية.
- دور الفاعلين المحليين والدوليين في تأجيج الانقسامات الطائفية والإثنية أو احتوائها.
خامسًا. الآفاق المستقبلية
- إمكانات بناء هوية وطنية جامعة في سورية، بعد سقوط النظام (كانون الأول/ ديسمبر 2024).
- نماذج مقارنة في إدارة التنوع الطائفي والإثني.
- العلاقة بين العدالة الانتقالية وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
تدعو قلمون الباحثات والباحثين إلى تقديم مقاربات بينية أو عابرة للتخصصات والمنهجيات (تاريخية وسياسية وسوسيولوجية وأنثروبولوجية..)، ومقارنات بحالات من مثل لبنان والعراق وغيرهما.
تقبل قلمون الدراسات النظرية والميدانية والمقارنة، بما يغني المناقشة الأكاديمية حول الموضوعات المطروحة.
تركز قلمون على الموضوعات الراهنة في سورية، وتقبل البحوث التاريخية التي تساعد في فهم الحاضر السوري ومحطات تطوره.
تؤكد قلمون وجوب التزام المعايير الأكاديمية المعتمدة في التوثيق والمنهجية والأسلوب العلمي الرصين.
تقبل المقترحات البحثية (ملخص 500 كلمة) حتى موعد أقصاه 15 كانون الأول/ ديسمبر 2025، على أن ترسل البحوث مكتملةً في موعد أقصاه 15 شباط/ فبراير 2026.
تخضع البحوث جميعها للتحكيم العلمي.
تجدون معايير النشر والتوثيق العلمي على الرابط: https://n9.cl/kcj13
ترسل المقترحات مرفقة بالسيرة العلمية إلى إيميل رئيس التحرير: Rasheed.Alhajsaleh@harmoon.org




